***

 

 

يلمس الأب شعر ابنه ولا يتمنى أن يكون من فصيلة الگَرَاطِيطِ. يفكر في الرحيل عنهم في أقرب فرصة ممكنة. رفع رأسه إلى السماء المقمرة التي تتلألأ نجومها في الأعالي منيرة وجوه بنات القرية الساهرات الراقصات. يغنين عروبياتهن* بشكل كورالي منسجم.

يتتبع الأب حركات ابنه وهو يقرأ في كتاب وضعه أمامه. يتذكر يوم ختانه الذي كاد أن يتحول إلى مأتم! نام الصبي في صندوق خشبي اعتاد اللعب فيه. كانت أمه تضعه فيه كي تتفرغ لقضاء شؤون البيت. أَلِفَهُ.. من حين لآخر يتسلى بالنوم فيه.

حضر الحَجَّام وهو رجل متعدد المهام يمارس الختان ويقطع الأسنان ويمص الدم ويحلق الرؤوس واللحي.. اصطف الفقهاء يرتلون ويأكلون ويُنَمِّمُون...

تبحث الأم وتبكي. بدأت شكوك الأب تتسرب إلى الأعداء. المقربون فقط يعلمون ما وقع! النساء يرددن أغنية:

 

أَحَجَّامْ أَحَجَّامْ.. حَاوَلْ عْلِيَّ يَرْحَمْ بُوكْ

أَحَجَّامْ أَحَجَّامْ.. عَارْ اوْلَيْدِي بَيْنْ يِدِيكْ

 

انتهت الأغنية ولم يتم تقديم الولد للحَجَّام الذي انتهى من الأكل ووضع أدواته البسيطة أمامه منتظرا قدوم الصبي.

الحَجَّام وما أدراك ما الحَجَّام!

هناك من قطع الحَجَّام كَمَرَةَ قضيبه.. وهناك من قطع قُلْفَتَهُ.. وهناك من ترك شيئا منها طائشا.. وهناك من قتله الحَجَّام!

خرج الصبي متدحرجا من الصندوق وكأنه شيء من محتويات علبة الصفريوي العجيبة "La boite merveilles". أمسك بكأس شاي وغطس فيه فَاهُ. بدا جزء من أنفه وبعض أسنانه وقطعة من لسانه وشفته العليا مكبرة عبر قاع الكأس!

 

* نوع من الرباعيات/الخماسيات الشعرية تتغنى بها النساء.. ويمكن مقارنة "العروبي" بالموال والليالي اللذان يعتمدان مبدأ الارتجال في الغناء.

***